مجمع البحوث الاسلامية

520

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

عجله الّذي صنعه وعبده : ( 1 ) وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً . والأخرى قصّة إبراهيم عليه السّلام مع قومه ، حين دعاهم إلى رفض الأصنام ، والإقبال على عبادة اللّه الواحد الرّحمان ، فأنكروه وخاصموه حتّى صمّموا على قتله أو حرقه ، كما قال في الآيتين ( 2 و 3 ) : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ، و فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ . وفيها بحوث : 1 - جاء فيها « التّحريق » بدل « الحرق » تشديدا ومبالغة مثل « قطع وقطّع » فإنّ موسى عليه السّلام قرّر أن يبالغ في حرق إله السّامريّ حتّى يصير رمادا وغبارا ينسفنّه في اليمّ ، كأن لم يكن شيئا . وسياق الآية - بما فيها من لام القسم ونون التّأكيد مرّتين ، والمفعول المطلق المؤكّد مرّة : لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ، وبعد أن وصف إلهه بأنّه ظلّ عليه عاكفا ، مشيرا إلى نهاية خضوعه لإلهه وتعظيمه إيّاه - هو التّشديد ، حيث قابله موسى بما يضادّ فعله توهينا له ، وهو تحريقه ونسفه في اليمّ ، نسفا وغضبا عليه ، كما جاء في أوّل القصّة فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً طه : 86 . وكذلك قوم إبراهيم العابدين للأصنام الّتي أنكرها وأهانها إبراهيم ، أمروا بتحريقه عنادا له وخشما عليه . وسياق الآيتين في هذه القصّة أيضا - بما فيهما من صيغة الأمر ( حرّقوه ) مرّتين وحصر الجواب كمقابلة في ( 2 ) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ، والأمر بنصر الآلهة كمقابلة لم يتمكّنوا سواها في ( 3 ) وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - مشعر بشدّة خصومتهم وبلوغ عداوتهم لإبراهيم . فظهر بذلك أنّ صيغة « التّحريق » فيها للتّشديد ، ولكن كثيرا منهم لم يفرّقوا بينها وبين الحرق والإحراق بل صرّحوا بأنّها سواء ، سوى الطّبريّ حيث قال : « لنحرّقنّه بالنّار قطعة قطعة » ، والزّجّاج حيث قال : « نحرقه مرّة بعد مرّة » ، وابن سيده حيث قال : « التّحريق تأثير النّار في الشّيء » ، والطّوسيّ حيث قال : « التّحريق هو التّقطيع بالنّار » ، والفيّوميّ حيث قال : « حرّق تحريقا ، إذا أكثر الإحراق » . فهؤلاء متّفقون على إفادة صيغة « التّفعيل » هنا المبالغة والتّشديد ، مختلفون في كيفيّة التّشديد ، وبعضهم عدّوا « حرّق » رباعيّا . 2 - قال غير واحد منهم في لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ : إنّ التّحريق هنا من « حرق الشّيء إذ أبرده بالمبرد » . فقد حكى الزّمخشريّ عن أبي عليّ الفارسيّ أنّه يجوز أن يكون « حرّق » مبالغة في « حرق » إذا برد بالمبرد . ولا شاهد عليه سوى ما يأتي من قراءة عليّ عليه السّلام ( لنحرقنّه ) بالتّخفيف . 3 - القراءة في لَنُحَرِّقَنَّهُ - كما حكاها الطّبريّ - مختلفة ، فقرئ بالتّشديد من « التّفعيل » أي نحرّقنّه قطعة قطعة ، وبالتّخفيف من الإفعال أي نحرقنّه مرّة واحدة ، وبفتح النّون من المجرّد ، أي لنبردنّه بالمبارد ، ثمّ رجّح الطّبريّ التّشديد ، لإجماع الحجّة عليها من القرّاء .